آخر تحديث: 24 / 7 / 2024م - 10:08 م

تجارة البخور والمواد العطرية

عبد الله حسين اليوسف

مع كتاب ميناء العقير ودوره في اقتصاد الجزيرة العربية للمؤلف /طاهر معتوق العامر الطبعة الأولى 2016/1437

جزء من المقدمة

تاريخ هذا الثغر الهاجع على الخليج العربي ولكون تاريخ هذا الميناء لا يمكن فصله عن تاريخ منطقة الأحساء أو المناطق المجاورة له لذا وجدت نفسي مرغماً للنزول إلى الأمر الواقع من وجهة نظري المتواضعة واقتباس شيء من تاريخ هذا الميناء من عموم تاريخ هذه المنطقة والمناطق المجاورة.

تجارة البخور والمواد العطرية

تتميز جزيرة العرب بخصائص فريدة من أبرزها مكانتها الروحية وثرواتها الطبيعية، وموقعها الإستراتيجي وعبر تاريخها الطويل ساهمت هذه الخصائص منفردة أو مجتمعة إيجابية أو سلبية في التأثير على مجتمعات الجزيرة سواء في رسم خط تطورها، أو في تحديد علاقاتها بالشعوب الأخرى.

ولقد شكل البخور والمواد العطرية خلال حقب طويلة من تاريخ الجزيرة العربية القديم جزءاً هاماً من منتجاتها الطبيعية.

وتسويق هذه السلع النفيسة التي يكثر الطلب عليها في الداخل والخارج، وقد كان إنتاجها غزيراً وفق ما عبر عنه «هيردوتوس» بأن أريج هذه الطيوب يملأ جو هذه البلاد.

وقد حرص العرب على إخفاء مصادر هذه الثروة عن الشعوب الأخرى، وأشاعوا القصص المرعبة عن الأهوال والأخطار التي تحف بها والثعابين المجنحة التي تحرس أشجار اللبان.. إلخ وهكذا تمكنوا من احتكار تجارة رابحة لعدة قرون.

ولقد اقترن البخور والمواد العطرية بمعتقدات معظم شعوب العالم القديم، وامتزجت رائحتها بطقوسهم الدينية والدنيوية، وتدل المعلومات الكتابية المتوفرة أنها كانت تستعمل في بلاد الرافدين وفارس والشام ومصر وبلاد الإغريق والرومان، وكانت تدخل في حياتهم اليومية، وقد عثر على آثارها المادية من مباخر ومجامر مصنوعة أو مرسومة.

كان البخور يدفع الروائح الكريهة والقوى الشريرة، ويقال بأنه كان يمثل حضور الآلهة إذ أن الطيب صفى تلازم الآلهة وإحراقها كان يؤمن إرضائها، وقد استعمل في الصلوات في مصر «عبادة آمون رع» وكذلك في التحنيط وفي كشف الفأل «ومراسم الدفن الرومانية».

وقد لعبت بلدان الخليج العربي دوراً كبيراً في ترويج البخور والمواد العطرية إلى جانب العديد من السلع المهمة التي تدخل في حياة الإنسان اليومية، واهتمت بتهيئة القوافل لنقل هذه السلع عبد الطرق البرية التي تعرفها وعملوا على تأمين هذه القوافل من أخطار هذه الطرق. وتشير المعلومات المتجمعة من تسجيلات الكلاسيكية من صلاحية السواحل المتاخمة لجزيرة العرب من مياه الخليج العربي الملاحية البحرية الجيدة.

ويذكر «بوليبوس» Polybus «204-122 ق. م» أن الجرها كانت المركز التجاري في جزيرة العرب، ونقطة انطلاق القوافل التجارية من بلاد البهار والأفاوية وتتشعب منها الطرق إلى مكة والبتراء كما كانت على اتصال وثيق بموانئ الخليج العربي ولها تجارة نشطة مع إغريق سلوقية.

وذكر القدماء أن الجرهائيين تاجروا مع حضرموت، فوصلت إليها في أربعين يوماً وكانت تعود وهي محملة بحاصلات العربية الجنوبية وحاصلات أفريقيا ووصلوا إلى البتراء عن طريق دومة الجندل.

ويضيف «أكاثرسيدس» Agatharehides بأن أهل الجرهاء كانوا من أغنى سكان العالم آنذاك، وكانوا ينافسون السبئيين في ثرائهم ومرد ذلك إلى تجارتهم براً على ظهور القوافل وبحراً في السفن، وكانوا يصدرون البخور إلى بابل بكثرة وبسبب سوق الجرهاء التجارية الكبيرة ورغبة في السيطرة على الطرق التجارية العالمية في الخليج العربي جهز «أنطيوخس الثالث» حملة عسكرية بحرية لاحتلالها، ولكن أهل الجرهاء فاوضوه على تغيير خطته مقابل أموال طائلة دفعوها إليه، فوافق الملك على ذلك وغير وجهة سيره بعيداً عنهم، فذهب أولاً إلى تايلوس «البحرين» ثم عاد إلى سلوقية.

وحين اطمئن الجرهائيين إلى حريتهم أصدروا مرسوماً بتكريم الملك انطيوخس فوراً بخمسمائة تالنت من الفضة وألف تالنت من البخور ومائتي تالنت مما يسمى بال «تستاكي» «زيت المر».