آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 3:54 م

طفولة الشاعرة وإرثها الأمومي

محمد الحرز * صحيفة اليوم

هي فوزية أبو خالد صوت التمرد الأنثوي الذي خرج من قلب الصحراء؛ ليرتفع في أرجائها مثل عمود النور المنطلق إلى عنان السماء.

هي سليلة «نجد» وهضابها، إذ والدها هو «عبدالله أبو خالد»، وهي أيضا سليلة الحجاز بمقاماتها وأمكنتها المقدسة، إذ أمها هي «نور الهاشمي».

لكنّ بين القبيلة والصحراء رابط، لا تنفك أواصره، ولا تنحل وشائجه. وبين الحجاز والموروث الديني آصرة متينة أيضا.

«طلعتُ من منابت القبيلة.. أو من رحلة الشتاء والصيف أو من جذور اللون في حرائق الطيف» هذه الطفلة ذات الخمس سنوات، والتي ترعرعت في حي «الشميسي» إحدى مناطق الرياض، وعاشت بين أترابها بجسد يشبه الصحراء في صمودها أمام الرياح العاتية، حتى أنها قالت: أحسّ أنني مضغوطة داخل جسدي فلو أنني أتنفس بعمق لتشققت بشرتي - هذه الطفلة لم يتنبئ لها أحد أن تصبح شاعرة، ولم يدرك القريبون منها أن ما تنطوي عليه من سمات روحية، قد تكون منذورة لما هو قادم من عمق الصحراء من وعود، قد لا يتحمله جسدها الغض.

- دفعها إلى أن تكون مهيئة لهذه النذور، أمها التي ما فتئت تختبر قدرتها على تحمل حيل الصحراء:

- سلّتْ أمي من الصحراء.. خيط رمل وربطته بطرف سُرّتي.. صرتُ مهما ابتعدت كدلو.. عبثا يحاول اغتراف القمر المنعكس على مرآة الماء من البئر المستحيلة.

- ولم تتفطن تلك الفتاة الصغيرة إلا لا حقا حينما قالت عن أمها: «لم تكن تلك المرأة الممشوقة بأغصان الشباب ترضعني حليبا وحسب وإنما كنت أرضع منها الأشواق الفوارة داخل ثوبها القطني المزموم على خصرها النحيل لاكتشاف العالم».

يا لها من طفولة كان الشعر مهمازها الذي يدير البوصلة، وكانت الكتابة دليلها ومستقرها الذي تنشده روحها. وكلما أخذها القدر إلى أماكن متفرقة «الطائف، مكة، بيروت، أمريكا، أمكنة العالم الأخرى» ولم تعرف للاستقرار طعما ولا مذاقا، كان طائر روحها المحلق بجناحي الكتابة والشعر، لا يتوقف عن الطيران، ولا يرى سوى النشيد عنوانا لكيانه، وملعبا لغنائه.

«خلعتْ أسنان اللبن وتمضمضت بالحبر خلعت طاعات طاعنة في العمر.. شبّت عن الطوق وأشعلت حريقا صغيرا...» - هكذا عاشت فوزية بو خالد طفولتها قرب والدتها التي رأتها تشبه مغارة علي بابًا المغلقة، وكلمة السر التي تملكها كي تنفتح لها بوابة المغارة وتشرع هي كلمة «ماما».

لكنّ الكلمة ليست هي الوحيدة التي تربطها بها، هناك روابط متعددة تحاصرها من كل الجهات، رابط الرائحة الذي تأتيها أو تتسلل إليها من جهة الذاكرة/ الأم، وهناك أيضا النظرات التي تنطلق من عيني أمها العسليتين؛ لتمتد وتحلق في أدق تفاصيل حياتها، مهما تباعد الزمن بين طفولتها تحت ظلال والدتها الوارفة وبين حياتها بعد سنين من العمر.

- إن هذا الأثر لا يشبه الإرث الطبيعي الذي ينتقل من الأمهات إلى أطفالهن، أو ما يكتسبه هؤلاء الأطفال من صفات بيولوجية فقط، وإنما - علاوة على ذلك - كانت الشاعرة فوزية بو خالد تضع أمام القارئ مكامن السر الذي هيأها لا حقا أن تكون الشاعرة والكاتبة والباحثة والأكاديمية المؤثرة في جيل كامل من المبدعين.