آخر تحديث: 22 / 7 / 2024م - 4:38 م

العلم إلى اللحد

صالح مكي المرهون

التعلم واجب على كل مسلم ومسلمة، كل من درس في المرحلة الابتدائية قرأ الحديث المشهور: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» إلا أن هذه الفريضة لم تُعتنَ بها كثيرًا، فالبشرية لم تعرف دينًا أو اتجاهًا دعا إلى العلم، بل أوجب التعلم كما دعا إليه الدين الإسلامي، وهذا من البداهة بحيث أنه لا يحتاج إلى تنبيه، وإنما يحتاج إلى تفعيل.

والعلم المقصود ليس علم الحلال والحرام، أو معرفة الشكوك في الصلاة، أو المسائل المبتلى بها فقط، وإنما هذا جزء بسيط جدًا من القصد العام، ومن الظلم حمل الآيات والروايات الحاثة على طلب العلم على ذلك الجزء البسيط. فالعلم المطلوب من المسلم والمسلمة هو أشمل من ذلك حتى من علوم الدين، وإن كانت علوم الدين هي الأولى بالاهتمام.

وطلب العلم فريضة على المسلمة كما هو على المسلم، فريضة بمعنى الواجب العيني لا الواجب الكفائي، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فهو إذن فريضة على المرأة أيضًا.

ونركز على هذا لأن وضع المرأة السائد في مجتمعنا الآن منافٍ للدين، فكون المرأة تطبخ وترعى البيت والأولاد وتهتم بشؤون المنزل فقط أمر لا يناسب دورها المفترض في المجتمع، وفيه إهمال كبير لواجب العلم المفترض، ودخول في معصية الله. فطلب العلم إذا كان فريضة فتركه تعمُدا حرام، والأدهى من هذا أن حمل المسلمة على تركه من قبل الزوج أو الأب وغيرهما من المسلمين ترهيبًا أو ترغيبًا هو حث على المعصية، وتشجيع على الحرام.

ووقت الإنسان يكفي للتعلم، وإن كانت متطلبات المرأة من الوقت عظيمة في عصرنا هذا، أو ظروف الحياة كذلك، إلا أن ذلك لا يعني عدم إمكانية خلق مساحة زمنية وفكرية للدخول إلى العلم والتعلم. والعملية سببها عدم الرغبة بذلك، وعدم وجود تنظيم للوقت أو تنظيم للتعامل بالنسبة للأمور الحياتية والاجتماعية.

خلق الرغبة في العلم وطلب العلم مسألة غرائزية في الإنسان، بمعنى أنه حاجة، وعدم إشباع الحاجة ألم. فكل إنسان إذن لديه رغبة في طلب العلم، ولا يوجد إنسان ليست لديه هذه الرغبة حتى يقال: كيف أخلق الرغبة؟ ولكن الانشغال بأمور معينة في الحياة الذي تصد عن العلم في هذه المواطن، وقد يكون الانشغال حتى بعدم الانشغال، أي أن يتعود الإنسان على عدم التفكير أو الانشغال باللهو البسيط كما في حالة لهو الحديث الشائع عند النساء مثلا، أو المجادلة حتى عند الرجال التي لا فائدة منها ولا منفعة وهكذا. أي أن الفضول العلمي غريزيا موجود في كل إنسان، ولكن ما ذكرنا من مشاغل الحياة هو ما يصد الإنسان عن العلم، وهذا أهم قفل من أقفال القلوب: «أم على قلوب أقفالها» أي عدم الجدية في طلب العلم.

إذن الإرادة الشخصية وتوجيه الذات توجيهًا صحيحًا نفعيًا هو الذي يخلق القابلية على التغلب على هذه المشاغل، وإشباع الرغبة النفسية في العلم.

وإذا أردنا أن نعطف هذا الكلام على البحوث المتقدمة فإنه ليس فقط الجهل ألم وظلمة، أي عدم إشباع حاجة النفس وعدم توجيه الذات إلى العلم، بل حتى الأخلاق والإيمان والخير والحق وما شابه من المفردات. فالحق والعدل والأخلاق عمومًا حالة مفترضة فطريا وعقليا، بمعنى أن النفس مجبولة على عمل الخير، والخلق والتواضع، وهذا لم يأت اعتباطًا، بل لأن هذا الخير والخلق هما اللذان يجلبان الخير الفعلي والسعادة الواقعية لجنس الإنسان. ومخالفة الأخلاق تجعل المجتمع يعيش حالة من الفوضى، والفوضى لا ينتج منها إلا الخسارة. أما الانتظام والانقياد العقلي فهو السبيل الوحيد لتحقيق رفاهية المجتمع وتماسكه. لذلك الإيمان حالة صحيحة في الجسم والعقل لأنه يوافق الفطرة والعقل، الفطرة النفسية والميول والغرائز العقلية التفكيرية، والعصيان ومخالفة الأخلاق حالة غير سليمة ومخالفة لباطن النفس والعقل. عملية المخالفة هذه تسبب ألمًا في عقل الإنسان الباطن وعذابًا داخليًا فضلا عن عذاب يوم القيامة وعذاب البرزخ، لذلك فهو جهل وظلمة وألم.

إذن، طلب العلم إلى اللحد شعار قوي وتشجيع قوي لطلب العلم، إلا أن تفكير الإنسان ليس على مستوى واحد بالنسبة لعمره. فبمرور الزمن تفتح نوافذ وتغلق نوافذ في تفكير الإنسان، حتى يصل الأمر إلى حد الشيخوخة، فيبدأ الكل بالتدريج السلبي والوظيفي، أي يبدأ كل العقل بالتقهقر والتدهور على كل الأصعدة العملية الوظيفية للعقل.

فذكاء الشاب في أمور القياس والحساب ودقة الملاحظة وقوة الذاكرة هي أمور تكون أكبر لهذا الشاب من الشخص الأكبر سنا. في حين أن الشخص الأكبر سنا، لنقل في الأربعين أو الخمسين أو الستين من العمر مثلا، يكون أكثر قدرة على الاستقراء الشامل للأمور، أي النظرة الأكثر شمولية، لذلك تكون قراراته الفكرية أكثر حكمة.

إذن، لا نوافق بشكل مطلق أن تقدم السن إلى ما فوق الأربعين يغلق على الإنسان النبوغ الفكري والاكتشاف والإبداع في مسائل جديدة. كما يقولون، المسألة غير محصورة بصيغة معينة أو عنصر فكري وعقلي معين، بل هي معادلة. لذلك، فإن وسط المعادلة يكون دائما هو الأفضل، لأنه يجمع بين الأمرين، وهذا غالبا يحدث في الأربعينيات. علما بأن هذا الأمر ليس مقياسا شاملا، وإنما حكم شمولي استقرائي عام. واعلم أيضا أن الأمر يتغير من علم إلى آخر، فبعض العلوم يكون الإنسان فيها أنجح عقليا كلما صغر سنا، وبعض العلوم بالعكس.

أولويات التعلم هي العلم الفقهي والديني، فمعرفة الحلال والحرام واجبة إلى حد ما، ولكن لا يعني وجوب التخصص فيها، لأنه خارج عن قدرة كثيرة من الناس، بالإضافة إلى أن الدين لا يشجع هذا التخصص لكل الناس، وإنما لفئة معينة تقوم بدورها في المجتمع. وتعلم العقائد الصحيحة لها الأولوية أيضا، فالأساسيات منه وبصورتها العامة هي مقدمة في أهميتها على معرفة الحلال والحرام. ثم تأتي بقية العلوم الدينية وغير الدينية، هذا بالنسبة للتعلم الواجب أو لنقل الثقافة الضرورية.

أما مجال العلم المتخصص، فالواقع يحتاج إلى كل الاختصاصات، وإن كانت هناك أفضليات عامة، ولكن لا يستطيع أحد أن ينصح الكل بأن يأخذوا هذا الاختيار، لأنهم إن فعلوا ذلك، فرغ الاختيار الثاني من متبعيه وتعرضت معادلة الحياة إلى الخلل، فهذا خاطئ منطقيا. ثم إن من التخصصات العلمية ما تكون في السياق الإلهي فتزرع في الإنسان الخشية من الله، ومنها غير ذلك، ومنها ما هو من العلوم المريضة.

العلم الديني ليس علما واحدا، بل هو علوم متعددة تدخل كلها في سياق واحد، وهو الرؤية الدينية لكل شيء إن أمكن. فليس الأمر مقتصرا على مقدمات معينة أو أحكام معينة، بل يشمل كل شيء، إلا أن هناك أولويات وأساسيات في هذا العلم.