آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 8:03 ص

العلم الصحيح والعلم المريض

صالح مكي المرهون

التوسع في معرفة الله يزرع الهيبة والانقياد لله في داخل النفوس، حتى ترتعد الفرائص، وتخشع النفس أشد خشوعا إذا ما ذكر الله.

هذا بالنسبة للإنسان الذي لديه حظ من العلم، ونقول: «حظ من العلم» أي أن الخشية ليست مشترطة بالعلم العظيم، وهذا يدعونا إلى التركيز على شيء وهو: أن معرفة أوامر الله سبحانه وتعالى وأحكامه هو علم، والعلم تحصيل لخشية الله وتقوى الله، والعكس أيضا صحيح، فالإنسان إذا زاد علمه ازداد عموما خشية الله، بمعنى أن القاعدة العامة تشير إلى أن زيادة العلم في الله تؤدي إلى زيادة في خشية الله من وجهة نظر عامة.

قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: آية 28]، فالعلماء ليس المقصود بهذه المفردة العالم العظيم العلم، بل لفظة عالم متدرجة من أول معلومة يكون الإنسان عالما بها إلى مدى مفتوح من الإدراك والتعلم، هذا المعنى العام لهذه المفردة هو المقصود في هذه الآية، وهو لا يختلف ولا يتقاطع كليا مع المفهوم الدارج للعالم.

والزيادة في وجه العلاقة الطردية بين العلم والخشوع أو الخشية هو لأن العلم الصحيح يؤدي إلى تغيرات صحيحة في العقل، ويؤدي إلى حضور مفاهيم صحيحة ومتجسدة حول الله سبحانه وتعالى والدين، وهذا الحضور يؤدي طبيعيا إلى الخشية من الله.

إلا أنه في بعض الحالات يتدخل الشيطان وترضخ له النفس وتدوس على طبيعتها الصحيحة، وتحاول أن تتجه خلاف توجهات هذه المعلومات الصحيحة، فحينها لا تحصل الخشية بل يحصل الصراع داخل النفس.

لأنها عندما علمت سارت على خط صحيح وتغيير صحيح، فالطبيعي أن يسلك الإنسان ما يؤدي إليه هذا التغيير وهو الخشية من الله. فعندما يخالف الإنسان هذا الطبيعي فإنه أول ما يسيء إلى نفسه، لأنه لم يترك لها فرصة هذا السير الصحيح.

والعلم يجب أن يكون علما صحيحا لا مريضا، وأيضا علما حقيقيا لا شيطانيا، فهناك علوم مريضة، وهناك علوم ليست في السياق الإلهي.

العلوم المريضة هي العلوم التي تنطوي على حالة شاذة، أي استغراق في التفكير في مسألة شاذة، علما أن هناك بعض أنواع الجنون العقلي يكون التفكير فيه وسوسة، ويصل المتفكر هنا أي المجنون إلى حالة متقدمة من الإدراك في موارد معينة كالحساب مثلا أو رصد الأشياء، وهكذا. فهذه علوم غير صحيحة.

والعلوم الصحيحة التي نقصدها والتي تؤدي إلى الخشوع والمعرفة، لأن هناك علوما لا تؤدي إلى ذلك ولكنها علوم صحيحة، فمقياسنا إذن هو الخشوع والمعرفة التي تكون في السياق الإلهي. أما العلوم التي ليست في السياق الإلهي فهي العلوم المتخصصة في المتعة وما إلى ذلك كعلوم الرياضيات وعلوم الهندسة المعمارية وغيرها كثير، فهذه العلوم قد تنفع في الحياة ونحن هنا لا نحاربها، ولكنها لا تنفع في الخشوع لله تحديدا، والمقياس كان الخشوع.

وهذا لا يعني أنها مكروهة أو محرمة لأنها لا تجلب الخشوع، فهذا خلط في الأوراق والمقاييس، وإنما كان الموضوع عن العلوم التي تسبب الإيمان وحب الله والخشوع لله، أي الانقياد الذاتي بمشاعر جياشة لله ولدين الله. وهذه العلوم ليس لها عدد ثابت أو تصنيف ثابت، ولكن عنوانها مصداقها، أي أن كل علم يؤدي إلى ما ذكرنا هو من هذا الباب مثل دراسة الكون ودراسة الكائنات الحية أو الفلسفة وغيرها مما هو على شاكلتها.

وأما العلوم الدينية، فقد أهملنا ذكرها، لأن هذه العلوم أساسا هي غاية تقود إلى الخشوع، ولذلك فلا حاجة إلى ذكرها، لأنها هي الأساس في هذا المورد، وإنما ذكرنا مواضع الاختلاف.

ونقطة البحث الثانية هي أن هذه العلوم يجب أن تكون علوما حقيقية لا علوما شيطانية وإلا كان سبيلها سبيل الشيطان. والعلم الحقيقي أن يطلب الإنسان العلم رغبة في الحقيقة المجردة، وليس رغبة أمور دنيوية أخرى، أن يطلب العلم لا ليستأكل بعلمه ولا ليتعالى به على الناس أو على من هم دون منه علما، ولا ليجمع الناس حوله شهرة ومباهاة، فإن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها، ولهذا أعطانا الدين علامات لطالب العلم الحقيقي، منها التواضع، والخلق، والصمت والحلم، ولذلك ترى هذا الطلب متزنا حياديا