آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

الأمل.. عملة عالمية موحدة

عبد الرزاق الكوي

التقارب والتكامل وبناء مشروعات اقتصادية مشتركة ليست وليدة اليوم. تأخرت كثيراً عطلتها السياسات وأجلتها الحروب وفاصلتها تدخلات وضغوطات أتخذت من شعار ”فرق تسد“ طريقاً للمحافظة على الأوضاع تحت سيطرتها. ويكون العالم بقرة حلوب، أو ”الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس“. هذا الفكر الذي ساد وساد ودمر البلاد والعباد.

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ العالم يتجه نحو بناء مؤسساته ومشاريعه على المستوى الفردي والجماعي لإصلاح واقعه السياسي والاقتصادي. إن الفكرة قديمة في العمل الجاد من أجل بناء مشاريع اقتصادية مشتركة ومنظومات تجارية بين الدول تدريجياً، وصولاً إلى التعامل بالعملات الوطنية بين الدول في تسوية تبادلاتهم التجارية وسداد القروض وغيرها من التعاملات الكثيرة. وصولاً إلى التفكير في إنشاء عملات مشتركة بين دول ذات حدود جغرافية أو قارية، ويتجاوز ذلك إلى الحلم بإنشاء عملة عالمية واحدة، تكون طوق النجاة في ولادة اقتصاد يبشر بالعدالة والتعددية في بناء مؤسساته.

فالمبادرات على قدم وساق في كثير من الدول على مستوى القارات من أجل تمهيد الطريق الشائك المحفوف بشتى أنواع العقبات. فالأمر ليس بتلك السهولة، ولكنه ليس من المستحيل. فمن يملك القرار السياسي سيعمل باستقلالية لبناء تكتلات اقتصادية في وجه طوفان يفرض سياسته الخارجية ويجعل الاقتصاد سلاحاً ضد الآخرين ويحارب كل تطلع للتغيير ويفرض العقوبات على كل من تسول له نفسه في مجرد التفكير في تغيير الواقع تحت طائلة العقوبة.

العملة العالمية الموحدة لمجموعة دول في ذات حدود جغرافية ومصالح متفق عليها تعتبر خطوة صعبة بسبب الوضع السياسي العام والتبعيات والمخاوف من الضغوطات والحصار وغيرها. أما الوضع في حالة التفكير في عملة عالمية واحدة فأكثر صعوبة وتقف في وجهها عقبات شتى أكبر.

لكن سوء الحالة الاقتصادية على المستوى العالمي خرجت أصواتًا تنادي بالتغيير، ”من سار على الدرب وصل“. فالإجراءات لا تعد ولا تحصى في ظل تباين السياسات والأوضاع الاقتصادية لكل دولة. تحتاج إلى توازنات وتضحيات وجعل الأولوية للمصلحة المشتركة ليكون المستقبل أفضل. فالمشروع سيمر بمراحل تستغرق عقودًا حتى يرى النور. يحتاج أولاً لحلول وسطى وتجارب كثيرة ومباحثات مكوكية مستمرة لتلبية معايير اقتصادية مهمة حتى تصل الدول أولاً إلى مشاريع اقتصادية مشتركة يكون الدفع بالعملات الوطنية وصولاً إلى إنشاء عملة موحدة لمجموعة دول وختامها مسك عملة عالمية موحدة.

التعامل بعملة اليورو تم العمل ليس في يوم وليلة بل من عقود قبل أن يتم اعتمادها كعملة موحدة لمجموعة دول أوروبية. وتخلى تلك الدول المشاركة في التكتل عن عملاتها الوطنية وانضمت إلى نظام نقدي أوروبي موحد يقوده بنك مركزي واحد. بدأ إصدار اليورو في العام 1999 وتم استخدامه رسمياً داخل دول التكتل في العام 2002. استغرق هذا الاندماج ما يقارب من ثلاثين عامًا حتى تم اعتماده.

الاتحاد النقدي الأوروبي يُعتبر الآن من أهم التجارب الاقتصادية، حيث شعرت أوروبا بأهمية هذا التكتل بعد الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار للبنية الاقتصادية. كانت المحفز الأول لمثل هذا المشروع ”الحاجة أم الاختراع“. هذا التقارب والتكامل الاقتصادي، على الرغم من وجود بعض السلبيات، إلا أن الإيجابيات أكبر وأشمل تعم المنفعة على المجموعة وتؤثر على العلاقات السياسية وتخلق مناخاً من التقارب وتسهم في حل معظم القضايا الشائكة عبر الحوار. بالإضافة إلى التبادل التجاري والتنمية وزيادة الاستثمارات وتوحيد الأسواق وتسهيل التعاملات الجمركية وانتقال السلع بعيداً عن الإجراءات المعقدة. وهذا ما ستوفره الدول المتكتلة من مليارات الدولارات يمكن الاستفادة منها في التنمية ومكافحة البطالة وتطوير البنية التحتية لجميع المرافق الضرورية للبلد.

هذا الفكر الآن ليس حصرياً لدول معينة. فالعالم بأقطاره تسير على خطى حثيثة وإرادة ثاقبة. هذا الاتجاه المهم والضروري في أمريكا اللاتينية، حيث وُضِعَ خطة لتكامل اقتصادي يصل إلى عملة واحدة بين البرازيل والأرجنتين، وهما أكبر اقتصادين في أمريكا اللاتينية. سيتم دعوة وضم دول أخرى من أمريكا اللاتينية لهذا التكتل. وكذلك في القارة الإفريقية، حيث تتجه بكل ثقة وإرادة نحو إنشاء مؤسسات وتكتلات اقتصادية يصل إلى عملة موحدة لدول أفريقيا. هذا يتطلب تخطي الاختلافات السياسية والفروقات الاقتصادية. ولا ينسى المشروع المتنامي لدول ذات اقتصاد قوي متمثلاً في تكتل بريكس. وهو تحالف بين أكبر قوى اقتصادية على نطاق العالم متمثلاً في الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، الجميع يعملون لبناء مستقبل أفضل للبشرية من خلال التكتلات الدولية الهادفة لولادة عالم اقتصادي يستفيد من خيراته الجميع، يختصر المسافات ويمهد الطريق ويزيد التفاعل بين الأمم.

العمل بإنشاء تكتلات اقتصادية على قدم وساق يتم بنجاح وتقدم واعد بدأ يعطي ثمره. وعلى خطوات قريبة بإنشاء عملات موحدة بين الدول على المستوى القاري والبلدان المجاورة، وصولاً إلى الحلم الأكبر والأعظم بإنشاء عملة عالمية موحدة رغم صعوبة هذا المشروع. فالتفكير في عظمة هذا المشروع يسرع في المشاريع الأخرى التي تقرب الوصول للهدف من أجل التبادل التجاري والتسهيل الجمركي وتبادل الخبرات من أجل تحقيق الأمل.